أدلة استحباب البناء على القبور
استدل على مشروعية البناء واستحبابه بنصوص الكتاب والسنة فضلاً عن السيرة القطعية المتصلة بعصر المعصوم.
فأما ما ورد في الكتاب فقوله تعالى : ( وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ۖ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا ۖ رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) الكهف/21، حيث حكى الله تعالى عن الخلاف الواقع بين المؤمنين والمشركين في كيفية التعامل مع أصحاب الكهف بعد وفاتهم فكان رأي المشركين هو البناء على باب الكهف؛ لأجل غلقه ومنع الوصول إليه في حين كان رأي المؤمنين هو بناء مسجد حول قبورهم واتخاذه مكانا لذكر الله تعالى وتعظيمه وعبادته، وهذا هو رأي اغلب المفسرين من العامة والخاصة.
ومنه يعلم جواز ذلك الفعل لان شرع من قبلنا اذا لم يدل دليل على نسخه كان شرعاً لنا ــ ولو لم تثبت تلك القاعدة ــ فإن ذكر الله تعالى للخلاف مع عدم تعقيبه بالردع يعد اقرارا وامضاءا لسلوك المؤمنين.
بل ورد الأمر الصريح بتعظيم بيوت الأنبياء بما فيها بيوت أهل البيت عليهم السلام بقوله تعالى : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) النور/36 حيث ورد في تفسير الثعلبي (٧/ ١٠٧) والسيوطي في الدر المنثور (٥ / ٥٠) بسند متصل عن أنس بن مالك، وبريدة، أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قرأ قوله: (في بيوت أذن اللّه أن ترفع) فقام إليه رجل وقال: أي بيوت يا رسول اللّه؟ فقال: «بيوت الأنبياء» فقام إليه أبوبكر وقال: يا رسول اللّه وهذا البيت منها؟ ـ مشيراً إلى بيت علي وفاطمة ـ فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : نعم من أفاضلها) .
والمراد من البيوت إما هي غير المساجد ويدل عليه الاستعمال القرآني، أو هي أعم لتشمل المسجد وغيره من الابنية التي تذكر بالله تعالى وتقرب الناس إليه كبيوت الأنبياء والاوصياء والأولياء في حياتهم وقبورهم بعد وفاتهم حيث اذن الله تعالى برفعها، والرفع إن أريد منه الجانب المادي الحسي فتدل الآية بالمطابقة على مشروعية البناء على القبور بل استحبابه وإن أريد منه الجانب المجازي المعنوي فهو يدل بالالتزام على ذلك لأن البناء نحو تكريم وتعظيم لهذه القبور.
ويضاف إلى ذلك ما دل على النهي عن زيارة قبور المنافقين والمقام عندهم كقوله تعالى : ( وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) التوبة /84 حيث يستفاد منه جواز المقام على قبر المؤمن لسكوت الشارع عنها وإلا كان الأولى ان يقال ولا تقم عند قبر أحد، وهذا الخطاب كاشف عن سيرة النبي صلى الله عليه وآله في زيارة قبور أصحابه فنهاه الله تعالى عن زيارة المنافقين منهم.
وهذا خلاف الدعوة إلى هدم القبور وتسويتها بالارض.
ومما يؤكد ذلك الأمر الصادر من الشارع في اتخاذ مقام ابراهيم عليه السلام مصلى وهو المكان الذي كان يدعو الله تعالى ويتعبد فيه في قوله تعالى : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) البقرة/125 .
ما ورد في السنة المطهرة فروايات متعددة يستفاد منها بالمطابقة او الإلتزام مشروعية البناء على القبر منها :
١. ما رواه الكليني في الكافي (٣ / ١٩٩) بسنده عن قدامة بن زائدة قال: (سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سل إبراهيم ابنه سلا ورفع قبره) .
2. ما رواه الكليني في الكافي (3/202) بسنده عن يونس بن يعقوب قال: [لما رجع أبو الحسن موسى (عليه السلام) من بغداد ومضى إلى المدينة ماتت له ابنة بفيد (قلعة في طريق مكة) فدفنها وأمر بعض مواليه أن يجصص قبرها ويكتب على لوح اسمها ويجعله في القبر] .
3. ما رواه الطوسي في التهذيب (٦ / ٢٢) بسنده عن أبي عامر الساجي واعظ أهل الحجاز قال: (اتيت أبا عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) فقلت له: يا بن رسول الله ما لمن زار قبره – يعني أمير المؤمنين – وعمر تربته قال: يا أبا عامر حدثني أبي عن أبيه عن جده الحسين بن علي عن علي (عليه السلام) ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال له: والله لتقتلن بأرض العراق وتدفن بها، قلت: يا رسول الله ما لمن زار قبورنا وعمرها وتعاهدها؟ فقال لي: يا أبا الحسن ان الله جعل قبرك وقبر ولدك بقاعا من بقاع الجنة وعرصة من عرصاتها، وان الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوته من عباده تحن إليكم وتحتمل المذلة والأذى فيكم، فيعمرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقربا منهم إلى الله مودة منهم لرسوله، أولئك يا علي المخصوصون بشفاعتي والواردون حوضي، …) .
بل إن بناء القبور الطاهرة لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) كان بأمر منهم ، فهذا الإمام الصادق (عليه السلام) يأمر صفوان بن يحيى الجمال بترميم قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) واصلاحه، فقد روى ابن طاووس بسنده عن صفوان الجمال قال : [لما وافيت مع جعفر ابن محمد الصادق ( عليه السلام ) الكوفة … قال لي : يا صفوان ، أنخ الراحلة فهذا قبر جدي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فأنختها ، ثم نزل فاغتسل وغير ثوبه وتحفى ، … وذكر الزيارة إلى أن قال ـ : وأعطاني دراهم ، وأصلحت القبر] فرحة الغري : 123 ، المزار الكبير لابن المشهدي : 243 ، وغيرهما .
وقد مرت عمارة قبر الحسين (عليه السلام) بمراحل عدة كانت بمرأى ومسمع من المعصومين (عليهم السلام) ولم يصدر منهم ما يردع عنها أو يذم فاعلها ، ويشهد لذلك ما رواه
ابن قولويه في كتابه كامل الزيارات (ص255) بسنده عن ابي الصامت، قال: [سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) وهو يقول: من أتى قبر الحسين (عليه السلام) ماشيا كتب الله له بكل خطوة الف حسنة ومحا عنه الف سيئة ورفع له الف درجة.
فإذا اتيت الفرات فاغتسل وعلق نعليك وامش حافيا، وامش مشي العبد الذليل، فإذا اتيت باب الحائر فكبر اربعا، ثم امش قليلا ثم كبر اربعا، ثم ائت رأسه فقف عليه فكبر اربعا وصل عنده، واسأل الله حاجتك] حيث يدل على وجود بناء كبير حول قبر الحسين (عليه السلام) بما يشمل الحائر في عهد الإمام الصادق (عليه السلام) ولذلك شواهد كثيرة بما تكشف عن أمضاء الصادق (عليه السلام) لذلك وقبوله به بل ومدح من يقوم به .
ولو تنزلنا جدلاً وسلمنا بعدم ثبوت اي من الأدلة المتقدمة فإن الأصل الجاري في هذا المورد هو البراءة حيث ثبت من طريق الكتاب والسنة كقوله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء/١٥ وقوله تعالى : ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) الطلاق/7 والحديث النبوي المتفق عليه : (رفع عن أمتي ما لا يعلمون) ، رفع التكليف المجهول عن المكلف بنحو مطلق، فلو احتملنا حرمة البناء كان ذلك الحكم مرفوعا بمقتضى القاعدة كما هو حال كثير من الشبهات الحكمية سواء الوجوبية أم التحريمية .
الجهة الثانية : أدلة حرمة البناء على القبور وبيان بطلانها
ذهب بعض شواذ الأمة إلى القول بحرمة بناء القبور والأضرحة اتباعاً لآراء ابن تيمية، وقد استندوا في ذلك إلى أوهام لا يمكن ان الركون اليها في حكم فقهي فرعي فكيف يستند اليها في أمر مهم له لوازم خطيرة كتكفير المسلمين واخراجهم من الدين.
وأهمها على الاطلاق اخبار ثلاثة لا تخلو من ضعف من ناحية السند والدلالة فضلاً عن مخالفتها للكتاب والسنة، وهي:
1. رواية ابي الهياج الأسدي قال : (قال لي علي بن أبي طالب : ألا ابعثك على ما بعثني عليه رسول الله (ص) أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) ذكره مسلم في صحيحه (3/ 61) .
وروى الكليني في كتابه الكافي ( 6 /528) بسنده عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة فقال: لا تدع صورة إلا محوتها، ولا قبرا إلا سويته، ولا كلبا إلا قتلته)
وهذا الخبر مناقش سنداً ودلالة.
فأما سندها فإن ما رواه مسلم قد وقع في سنده : (وكيع وسفيان الثوري وحبيب بن ثابت والوائل الاسدي) وهم رواة قد وصفوا بعدم الحفظ والتدليس والخطأ في النقل فلا يطمئن حينئذ لنقلهم لاسيما اذا كان هذا الوصف منطبقاً على أغلب رجال السند.
وأما ما رواه الكليني فإن في سنده السكوني وهو عامي فضلاً عن النوفلي الذي اختلف فيه فلا يمكن تصحيح السند على كافة المباني.
بل في الرواية قرينة داخلية تدل على بطلانها، حيث ورد إن الرسول صلى الله عليه وآله قد بعث أمير المؤمنين عليه السلام إلى المدينة وهذا الأمر مخالف للنصوص التاريخية الثابتة إذ لو قلنا بانه بعثه قبل الهجرة إلى المدينة فهذا باطل إذ لم يخرج أمير المؤمنين عليه السلام من مكة الى المدينة إلا بعد خروج الرسول صلى الله عليه وآله منها حيث نام مكانه وأدى الأمانات والودائع عنه.
وإذا قلنا بأنه بعثه بعد هجرته فغير صحيح أيضاً إذ المفروض أن يقال :أمره بتسوية القبور وليس بعثه لأن البعث عادة هو إرسال من مكان بعيد ولذا يسمى من ينتدب لإيصال مكاتيب الملوك بالرسول .
على إن مثل هذا الأمر لو صدر لكان من المفترض أن يصل إلينا بروايات متعددة مستفيضة لمخالفته لسلوك عام معروف عند الناس ، فلابد من أن يثير انتباههم ليتناقل بينهم في محافلهم ونواديهم ومجالسهم العامة ، والواقع إنه لم يرد إلا من طريق لا يركن إليه .
وأما الدلالة فمخدوش حيث فسرت التسوية بالاعتدال كما في قوله تعالى : (الذي خلق فسوى) اي جعله مستويا ومعتدلا، وبهذا يراد من الخبر جعل القبر معتدلاً بحيث لا يرفع كثيراً عن مستوى سطح الأرض او جعله مسطحاً من غير تسنيم وهذا ما فهمه جمهور المسلمين من الحديث كما يقول النووي في
النووي في المجموع شرح المهذب(5/ 296)
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)
باشر تصحيحه: لجنة من العلماء
الناشر: (إدارة الطباعة المنيرية، مطبعة التضامن الأخوي) – القاهرة
عام النشر:١٣٤٤ – ١٣٤٧ هـ
عدد الأجزاء: ٩ (أصل النووي فقط)
وصَوَّرَتْها: دار الفكر بيروت في ٢٠ مجلدًا: مشتملا على مجموع النووي وتكملة السبكي وتكملة المطيعي
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَمَّا الْأَحْكَامُ فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُزَادَ الْقَبْرُ عَلَى التُّرَابِ الَّذِي أُخْرِجَ مِنْهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ إنَّمَا قُلْنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُزَادَ لِئَلَّا يَرْتَفِعَ الْقَبْرُ ارْتِفَاعًا كَثِيرًا قَالَ الشَّافِعِيُّ فَإِنْ زَادَ فَلَا بَأْسَ قَالَ أَصْحَابُنَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَرْكُهُ وَيُسْتَدَلُّ لِمَنْعِ الزِّيَادَةِ بِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد الْمَذْكُورَةِ قَرِيبًا وَهِيَ قَوْلُهُ وَأَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ (الثَّانِيَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يُرْفَعَ الْقَبْرُ عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ التَّتِمَّةِ اسْتَثْنَى فَقَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَفْنُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيُخْفَى قَبْرُهُ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ مَخَافَةَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ الْكُفَّارُ بَعْدَ خُرُوجِ الْمُسْلِمِينَ (فَإِنْ قِيلَ) هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ ” أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ لا نَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتُهُ ” (فَالْجَوَابُ) مَا أَجَابَ بِهِ أَصْحَابُنَا
قَالُوا لَمْ يُرِدْ التَّسْوِيَةَ بِالْأَرْضِ وَإِنَّمَا أَرَادَ تَسْطِيحَهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ (الثَّالِثَةُ) تَسْطِيحُ الْقَبْرِ وَتَسْنِيمُهُ وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ فِيهِ وَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) التَّسْطِيحُ أَفْضَلُ وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَخَلَائِقُ وَصَحَّحَهُ جُمْهُورُ الْبَاقِينَ كَمَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَرَّحُوا بِتَضْعِيفِ التَّسْنِيمِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ
(وَالثَّانِي)
التَّسْنِيمُ أَفْضَلُ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ أنه
قول عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِمَّنْ حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّاشِيُّ وَخَلَائِقُ مِنْ الْأَصْحَابِ وَمِمَّنْ رَجَّحَ التَّسْنِيمَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَادَّعَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ عَلَى تَفْضِيلِ التَّسْطِيحِ وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ كَمَا سَبَقَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ التَّسْنِيمُ أَفْضَلُ وَدَلِيلُ الْمَذْهَبَيْنِ فِي الْكِتَابِ: وَرَدَّ الْجُمْهُورُ عَلَى ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ في دعوه أَنَّ التَّسْنِيمَ أَفْضَلُ لِكَوْنِ التَّسْطِيحِ شِعَارَ الرَّافِضَةِ فَلَا يَضُرُّ مُوَافَقَةُ الرَّافِضِيِّ لَنَا فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ مُوَافَقَتُهُمْ لَنَا سَبَبًا لِتَرْكِ مَا وَافَقُوا فِيهِ لَتَرَكْنَا وَاجِبَاتٍ وَسُنَنًا كَثِيرَةً (فَإِنْ قِيلَ) صَحَّحْتُمْ التَّسْطِيحَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ قَالَ ” رَأَيْت قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَنَّمًا (فَالْجَوَابُ) مَا أَجَابَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ الله
(لم يرد به التسوية بالأرض وإنما أراد تسطيحه)
ويقول ابن حجر العسقلاني في كتابه (ارشاد الساري : 2 / 477) : “ولا يؤثر في أفضلية التسطيح كونه صار شعارًا للروافض، لأن السنة لا تترك بموافقة أهل البدع فيها، ولا يخالف ذلك قول علي، رضي الله عنه: أمرني رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، لأنه لم يرد تسويته بالأرض، وإنما أراد تسطيحه جمعًا بين الأخبار” .
فضلاً عن كون هذا الأمر على فرض صدوره مختصاً بقبور الكفار والمشركين بقرينة بقاء قبور المؤمنين شاخصة من غير تهديم ولا تحطيم .
2. ما رواه الكليني في الكافي ( 6 /528) بسنده عن ابن القداح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله في هدم القبور وكسر الصور.
وهو ضعيف عند المشهور بسهل بن زياد، ولو تجاوزنا البحث السندي فإن الأمر بالهدم مختص بقبور الكفار لنفس القرينة في الخبر السابق، فضلاً عن معارضته للسيرة القطعية التي تثبت المشروعية والجواز.
ثم إن بناء المراقد المطهرة لا يعد بناء على القبر بل هو بناء حول القبر، فلو سلمنا بكراهة او حرمة البناء على القبر فلا يسري الأمر إلى المراقد المطهرة لأن اصل القبر قد رفع بالمقدار المحدد في الروايات، فلا يشمل النهي المذكور هذه الصورة فتأمل.
3. ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال : (لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجدا فإن الله عز وجل لعن اليهود حين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) . من لا يحضره الفقيه : 1 / 178.
وهذا الخبر رغم ضعف سنده بالارسال أجنبي عن المقام فلا نهي فيه عن البناء على القبور فضلاً عن البناء حولها بل غاية ما يقال انه ينهى عن السجود على القبر أو للقبر وهو كناية عن عبادتها، فعبارة (مسجدا) يعني اتخاذها موضعا للسجود، وهذا أمر متفق على حرمته وأين هذا من مسألة البناء على القبر.
