Skip to content
قلعة الشيعة

قلعة الشيعة

Primary Menu
  • البحوث
  • الرئيسية
  • رد الشبهات
  • Blog

هدم الكعبة

ql3tsh 30/10/2025

 

 

 

 

 

 بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار
المؤلف: محمد عفيف الدين بن عبد الله بن عبد الملك المرجاني (ت بعد ٧٧٠)
المحقق: أ د محمد عبد الوهاب فضل، أستاذ تاريخ الحضارة الإسلامية – جامعة الأزهر
الناشر: دار الغرب الاسلامي – بيروت
الطبعة: الأولى، ٢٠٠٢ م
عدد الأجزاء: ٢ (متسلسلة الترقيم)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

صفحة المؤلف: [المرجاني]
  ج: 2 ص: ٧٦٢
  الباب الثامن في ابتداء خلقه صلى الله عليه وسلم، وشرف نسبه، وطهارة مولده، وذكر أسمائه وصفاته، وذكر وفاته، ووفاته، صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وذكر نبذة من فضائلهما  الفصل السادس في ذكر نبذة من أحواله صلى الله عليه وسلم بعد ولادته
    

وعمره إذ ذاك خمسا وثلاثين سنة، وكان ذلك بعد عام الفجار بخمس عشرة سنة (١).

فأول من بنى البيت العتيق الملائكة، وذلك قبل آدم بألفي عام، وذلك حين قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيها .. }. (٢) الآية – حكاه المحب الطبري – ثم بناه آدم عليه السلام وحواء تعينه – حكاه وهب – ثم بناه شيث بالحجارة والطين، ثم بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام (٣).

ثم غلبت عليه جرهم بعد نابت بن إسماعيل، وانهدم فبنته العماليق، ثم بنته جرهم بعد العماليق (٤) ثم بناها قصي بن كلاب بن مرة، وقيل: أنه أول من جددها بعد إبراهيم عليه السلام (٥)، ثم بناها عبد المطلب (٦)، ثم بنتها قريش هذا البناء المذكور.

ثم بناها عبد الله بن الزبير سنة أربع وستين بعد الهجرة، وأدخل الحجر فيها، وجعل لها بابين، وذلك حين حاصر الحصين بن نمير السكوني (٧)

———————————————–

(١) عن اختصام قريش في مسألة الحجر الأسود، وتحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة.
انظر: ابن هشام: السيرة ١/ ١٩٦ – ١٩٧، ابن سعد: الطبقات ١/ ١٤٦، الطبري: تاريخ الرسل ٢/ ٢٨٧ – ٢٩٠، البيهقي: الدلائل ٢/ ٦٠ وكان الفجار في سنة أربع عشر من مولده صلى الله عليه وسلم.
انظر: ابن هشام: السيرة ١/ ١٨٤، ابن الجوزي: المنتظم ٢/ ٢٩٦.
(٢) سورة البقرة آية (٣٠).
(٣) انظر: ابن الضياء: تاريخ مكة ص ٣٦ – ٣٧، الفاسي: شفاء الغرام ١/ ٩١ – ٩٢.
(٤) انظر: الفاسي: شفاء الغرام ١/ ٩٣.
(٥) انظر: الفاسي: شفاء الغرام ١/ ٩٤.
(٦) كذا ورد عند الفاسي في شفاء الغرام ١/ ٩١ وقال: «وجدت بخط‍ عبد الله بن عبد الملك المرجاني أن عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم بنى الكعبة بعد قصي وقبل بناء قريش، ولم أر ذلك لغيره، وأخشى أن يكون وهما والله أعلم».
(٧) الحصين بن نمير السكوني، قائد من قواد بني أمية، تولى قيادة جيش يزيد بن معاوية لقتال ابن الزبير في آخر المحرم ٦٤ هـ‍.
انظر: الطبري: تاريخ الرسل ٥/ ٤٩٦ – ٤٩٨، ابن الجوزي: المنتظم ٦/ ٢١ – ٢٢.


عبد الله بن الزبير،، وقذفوا البيت بالمنجنيق (١).

ثم هدمها الحجاج بالمنجنيق، وبناها، وأخرج الحجر منها، وذلك سنة أربع وستين، فهي الآن على ما بنى الحجاج (٢).

وأما الركنان فعلى قواعد إبراهيم لم يغيرا، وطولها في السماء سبعة وعشرون ذراعا، ومن الحجر الأسود إلى الركن العراقي خمس وعشرون ذراعا، ومن العراقي إلى الغربي أحد وعشرون، ومنه إلى اليماني خمس وعشرون، ومنه إلى الحجر الأسود عشرون ذراعا (٣).

فلما بلغ صلى الله عليه وسلم أربعين سنة ويوما، وقيل: وعشرة أيام، بعثه الله تعالى بشيرا ونذيرا، وأتاه جبريل بغار حراء، ثم أخبر ورقة بن نوفل بذلك فقال:

هذا الناموس الذي أنزل على موسى (٤).

واختلف في إيمان ورقة، فقيل: لم يحصل له إيمان، لأنه لم يبلغ زمن الرسالة، وقيل: بل حصل له بالإقرار بالرسالة وهذا الذي يمكنه في ذلك الوقت (٥).

———————————————————–

(١) انظر: الطبري: تاريخ الرسل ٥/ ٥٨٢، ابن الجوزي: المنتظم ٦/ ٣٠، الفاسي: شفاء الغرام ١/ ٩٧.
(٢) أعادها الحجاج على بنائها الأول إمعانا منه في القضاء على كل أثر لابن الزبير.
انظر: الطبري: تاريخ الرسل ٦/ ١٩٥، ابن الجوزي: المنتظم ٦/ ١٤٢، الفاسي: شفاء الغرام ١/ ٩٩.
(٣) انظر: الفاسي: شفاء الغرام ١/ ١٠٧.
(٤) انظر: ابن هشام: السيرة ١/ ٢٣٨، الطبري: تاريخ الرسل ٢/ ٣٠٢، الماوردي: أعلام النبوة ص ٢٢٦.
(٥) اختلفوا في إسلامه، وعده ابن حجر في الصحابة، وصرح ابن القيم بإسلامه، وأرخ ابن فهد وفاته في السنة الرابعة من البعثة.
انظر: ابن القيم: زاد المعاد ٢/ ٤٨، ابن حجر: الإصابة ٦/ ٦٠٧، ابن فهد: اتحاف الورى ١/ ٢١٠.


البداية والنهاية  ج: 12 ص: 178-184
المؤلف: عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (٧٠١ – ٧٧٤ هـ)
تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
بالتعاون مع: مركز البحوث والدارسات العربية والإسلامية بدار هجر
الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة: الأولى، (١٤١٧ – ١٤٢٠ هـ)
عدد الأجزاء:٢١ (٢٠ والفهارس)
وأعادتْ تصويرها: دار عالم الكتب بالرياض مِرارًا
تنبيه: في بعض نُسَخ الكتاب الخطية زياداتٌ على ما كَتَبه ابنُ كثير، وقد أَثبَتتْها طبعاتُ الكتاب السابقة لتحقيق د التركي، ورأى هو ألّا يُثبِتَها في طبعته؛ فليس في هذه النسخة الإلكترونية نَقصٌ كما يُتوهّم
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

صفحة المؤلف: [ابن كثير]

 

 

 

 ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين  مقتل عبد الله بن الزبير 

نَصَبَ الْحَجَّاجُ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى مَكَّةَ; لِيَحْصُرَ أَهْلَهَا، حَتَّى يَخْرُجُوا إِلَى الْأَمَانِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ مَعَ الْحَجَّاجِ خَلْقٌ قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَجَعَلُوا يَرْمُونَ بِالْمَنْجَنِيقِ، فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ مَعَهُ خَمْسُ مَجَانِيقَ، فَأَلَحَّ عَلَيْهَا بِالرَّمْيِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَحَبَسَ عَنْهُمُ الْمِيرَةَ فَجَاعُوا، وَكَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَجَعَلَتِ الْحِجَارَةُ تَقَعُ فِي الْكَعْبَةِ، وَالْحَجَّاجُ يَصِيحُ بِأَصْحَابِهِ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّاعَةِ! فَكَانُوا يَحْمِلُونَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّهُمْ آخِذُوهُ فِي هَذِهِ الشِّدَّةِ، فَيَشُدُّ عَلَيْهِمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى يُخْرِجَهُمْ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، ثُمَّ يَكُرُّونَ عَلَيْهِ فَيَشُدُّ عَلَيْهِمْ; فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، وَقَتَلَ يَوْمَئِذٍ جَمَاعَةً مِنْهُمْ وَهُوَ يَقُولُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْحَوَارِيِّ. وَقِيلَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ: أَلَا تُكَلِّمُهُمْ فِي الصُّلْحِ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ وَجَدُوكُمْ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ لَذَبَحُوكُمْ جَمِيعًا، وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُهُمْ صُلْحًا أَبَدًا.

وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُمْ لَمَّا رُمُوا بِالْمَنْجَنِيقِ، جَاءَتِ الصَّوَاعِقُ وَالْبُرُوقُ

وَالرُّعُودُ، حَتَّى جَعَلَتْ تَعْلُو أَصْوَاتُهَا عَلَى صَوْتِ الْمَنْجَنِيقِ، وَنَزَلَتْ صَاعِقَةٌ فَأَصَابَتْ مِنَ الشَّامِيِّينَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَضَعُفَتْ عِنْدَ ذَلِكَ قُلُوبُهُمْ عَنِ الْمُحَاصَرَةِ، فَلَمْ يَزَلِ الْحَجَّاجُ يُشَجِّعُهُمْ، وَيَقُولُ: إِنِّي خَبِيرٌ بِهَذِهِ الْبِلَادِ، هَذِهِ بُرُوقُ تِهَامَةَ وَرُعُودُهَا وَصَوَاعِقُهَا، وَإِنَّ الْقَوْمَ يُصِيبُهُمْ مِثْلَ الَّذِي يُصِيبُكُمْ. وَجَاءَتْ صَاعِقَةٌ مِنَ الْغَدِ فَقَتَلَتْ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الزُّبَيْرِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً أَيْضًا، فَجَعَلَ الْحَجَّاجُ يَقُولُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنَّهُمْ يُصَابُونَ مِثْلَكُمْ، وَأَنْتُمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَهُمْ عَلَى الْمُخَالَفَةِ؟

وَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ يَرْتَجِزُونَ وَهُمْ يَرْمُونَ بِالْمَنْجَنِيقِ; يَقُولُونَ:

خَطَّارَةٌ مِثْلُ الْفَنِيقِ الْمُزْبِدِ … نَرْمِي بِهَا عُوَّاذَ هَذَا الْمَسْجِدِ

فَنَزَلَتْ صَاعِقَةٌ عَلَى الْمَنْجَنِيقِ فَأَحْرَقَتْهُ، فَتَوَقَّفَ أَهَّلُ الشَّامِ عَنِ الرَّمْيِ وَالْمُحَاصَرَةِ، فَخَطَبَهُمُ الْحَجَّاجُ فَقَالَ: وَيْحَكُمُ، أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ النَّارَ كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَتَأْكُلَ قُرْبَانَهُمْ إِذَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ؟ فَلَوْلَا أَنَّ عَمَلَكُمْ مَقْبُولٌ مَا نَزَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهُ. فَعَادُوا إِلَى الْمُحَاصَرَةِ.

وَمَا زَالَ أَهْلُ مَكَّةَ يَخْرُجُونَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْأَمَانِ، وَيَتْرُكُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْهِ قَرِيبٌ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، فَأَمَّنَهُمْ، وَقَلَّ أَصْحَابُ ابْنِ الزُّبَيْرِ جِدًّا، حَتَّى خَرَجَ إِلَى الْحَجَّاجِ حَمْزَةُ وَخُبَيْبٌ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَأَخَذَالِأَنْفُسِهِمَا أَمَانًا مِنَ الْحَجَّاجِ فَأَمَّنَهُمَا، وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى أُمِّهِ فَشَكَا إِلَيْهَا خِذْلَانَ النَّاسِ لَهُ، وَخُرُوجَهُمْ إِلَى الْحَجَّاجِ حَتَّى أَوْلَادِهِ وَأَهْلِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا الْيَسِيرُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ صَبْرُ سَاعَةٍ، وَالْقَوْمُ يُعْطُونَنِي مَا شِئْتُ مِنَ الدُّنْيَا، فَمَا رَأْيُكِ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، أَنْتَ أَعْلَمُ بِنَفْسِكَ; إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ عَلَى حَقٍّ وَتَدْعُو إِلَى حَقٍّ فَاصْبِرْ عَلَيْهِ، فَقَدْ قُتِلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُكَ، وَلَا تُمَكِّنْ مِنْ رَقَبَتِكَ، يَلْعَبْ بِهَا غِلْمَانُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا أَرَدْتَ الدُّنْيَا فَلَبِئْسَ الْعَبْدَ أَنْتَ; أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ وَأَهْلَكْتَ مَنْ قُتِلَ مَعَكَ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى حَقٍّ فَمَا وَهَنَ الدِّينُ، وَإِلَى كَمْ خُلُودُكُمْ فِي الدُّنْيَا؟ الْقَتْلُ أَحْسَنُ. فَدَنَا مِنْهَا، فَقَبَّلَ رَأْسَهَا، وَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ رَأْيِي. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَكَنْتُ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا أَحْبَبْتُ الْحَيَاةَ فِيهَا، وَمَا دَعَانِي إِلَى الْخُرُوجِ إِلَّا الْغَضَبُ لِلَّهِ أَنْ تُسْتَحَلَّ حُرْمَتُهُ، وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَعْلَمَ رَأْيَكِ، فَزِدْتِينِي بَصِيرَةً مَعَ بَصِيرَتِي، فَانْظُرِي يَا أُمَّاهُ، فَإِنِّي مَقْتُولٌ مِنْ يَوْمِي هَذَا، فَلَا يَشْتَدُّ حُزْنُكِ، وَسَلِّمِي لِأَمْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ ابْنَكِ لَمْ يَتَعَمَّدْ إِتْيَانَ مُنْكَرٍ، وَلَا عَمِلَ بِفَاحِشَةٍ قَطُّ، وَلَمْ يَجُرْ فِي حُكْمِ اللَّهِ، وَلَمْ يَغْدُرْ فِي أَمَانٍ، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ ظُلْمَ مُسْلِمٍ وَلَا مُعَاهَدٍ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي ظُلْمٌ عَنْ عَامِلٍ فَرَضِيتُهُ؛ بَلْ أَنْكَرْتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي آثَرُ مِنْ رِضَا رَبِّي ﷿، اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَقُولُ هَذَا تَزْكِيَةً لِنَفْسِي، اللَّهُمَّ أَنْتِ أَعْلَمُ بِي مِنِّي وَمِنْ غَيْرِي، وَلَكِنِّي أَقُولُ ذَلِكَ تَعْزِيَةً لِأُمِّي لِتَسْلُوَ عَنِّي. فَقَالَتْ أُمُّهُ: إِنِّي لَأَرْجُو مِنَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ عَزَائِي فِيكَ حَسَنًا إِنْ تَقَدَّمْتَنِي، أَوْ تَقَدَّمْتُكَ فَفِي نَفْسِي، اخْرُجْ يَا بُنَيَّ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ أَمْرُكَ. فَقَالَ: جَزَاكِ اللَّهُ يَا أُمَّهْ خَيْرًا، فَلَا تَدَعِي الدُّعَاءَ قَبْلُ وَبَعْدُ لِي. فَقَالَتْ: لَا أَدَعَهُ أَبَدًا، فَمَنْ قُتِلَ عَلَى بَاطِلٍ فَلَقَدْ قُتِلْتَ عَلَى

حَقٍّ.

ثُمَّ قَالَتْ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ طُولَ ذَلِكَ الْقِيَامِ فِي اللَّيْلِ الطَّوِيلِ، وَذَلِكَ النَّحِيبِ، وَالظَّمَأِ فِي هَوَاجِرِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَبِرَّهُ بِأَبِيهِ وَبِي، اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ سَلَّمْتُهُ لِأَمْرِكَ فِيهِ، وَرَضِيتُ بِمَا قَضَيْتَ، فَقَابِلْنِي فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِثَوَابِ الصَّابِرِينَ الشَّاكِرِينَ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: ادْنُ مِنِّي أُوَدِّعْكَ. فَدَنَا مِنْهَا فَقَبَّلَتْهُ، ثُمَّ أَخَذَتْهُ إِلَيْهَا فَاحْتَضَنَتْهُ لِتُوَدِّعَهُ، وَاعْتَنَقَهَا لِيُوَدِّعَهَا، وَكَانَتْ قَدْ أَضَرَّتْ فِي آخِرِ عُمْرِهَا، فَوَجَدَتْهُ لَابِسًا دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، مَا هَذَا لِبَاسُ مَنْ يُرِيدُ مَا تُرِيدُ مِنَ الشَّهَادَةِ. فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ، إِنَّمَا لَبِسْتُهُ لِأُطَيِّبَ خَاطِرَكِ، وَأُسَكِّنَ قَلْبَكِ بِهِ. فَقَالَتْ: لَا يَا بُنَيَّ، وَلَكِنِ انْزِعْهُ. فَنَزَعَهُ، وَجَعَلَ يَلْبَسُ بَقِيَّةَ ثِيَابِهِ وَيَتَشَدَّدُ، وَهِيَ تَقُولُ: شَمِّرْ ثِيَابَكَ. وَجَعَلَ يَتَحَفَّظُ مِنْ أَسْفَلِ ثِيَابِهِ; لِئَلَّا تَبْدُو عَوْرَتَهُ إِذَا قُتِلَ، وَجَعَلَتْ تُذَكِّرُهُ بِأَبِيهِ الزُّبَيْرِ، وَجَدِّهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَجَدَّتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَطْلَبِ، وَخَالَتِهِ عَائِشَةَ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتُرَجِّيهِ الْقُدُومَ عَلَيْهِمْ إِذَا هُوَ قُتِلَ شَهِيدًا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ عَهْدِهِ بِهَا ﵄ وَعَنْ أَبِيهِ وَأَبِيهَا، ثُمَّ قَالَتْ: امْضِ عَلَى بَصِيرَةٍ. فَوَدَّعَهَا، وَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ:

وَلَسْتُ بِمُبْتَاعِ الْحَيَاةِ بِسُبَّةٍ … وَلَا مُرْتَقٍ مِنْ خَشْيَةِ الْمَوْتِ سُلَّمَا

قَالُوا: وَكَانَ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهُنَاكَ خَمْسُمِائَةِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَيَحْمِلُ عَلَيْهِمْ فَيَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ أَحَدٌ، وَهُوَ يَقُولُ:

إِنِّي إِذَا أَعْرِفُ يَوْمِي أَصْبِرْ … إِذْ بَعْضُهُمْ يَعْرِفُ ثُمَّ يُنْكِرْ

وَيَقُولُ أَيْضًا:

الْمَوْتُ أَكْرَمُ مِنْ إِعْطَاءِ مَنَقَصَةٍ … مَنْ لَمْ يَمُتْ غِبْطَةً فَالْغَايَةُ الْهَرَمُ

وَكَانَتْ أَبْوَابُ الْحَرَمِ قَدْ قَلَّ مَنْ يَحْرُسُهَا مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ لِأَهْلِ حِمْصَ حِصَارُ الْبَابِ الَّذِي يُوَاجَهُ بَابَ الْكَعْبَةِ، وَلِأَهْلِ دِمَشْقَ بَابُ بَنِي شَيْبَةَ، وَلِأَهْلِ الْأُرْدُنِ بَابُ الصَّفَا، وَلِأَهْلِ فِلَسْطِينَ بَابُ بَنِي جُمَحَ، وَلِأَهْلِ قِنَّسْرِينَ بَابُ بَنِي سَهْمٍ، وَعَلَى كُلِّ بَابٍ قَائِدٌ، وَمَعَهُ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ وَطَارِقُ بْنُ عَمْرٍو فِي نَاحِيَةِ الْأَبْطَحِ.

وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَا يَخْرُجُ عَلَى أَهْلِ بَابٍ إِلَّا فَرَّقَهُمْ وَبَدَّدَ شَمْلَهُمْ، وَهُوَ غَيْرُ مُلْبِسٍ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ إِلَى الْأَبْطَحِ، ثُمَّ يَصِيحُ:

لَوْ كَانَ قِرْنِي وَاحِدًا كَفَيْتُهُ

فَيَقُولُ ابْنُ صَفْوَانَ وَأَهْلُ الشَّامِ أَيْضًا: إِي وَاللَّهِ، وَأَلْفُ رَجُلٍ. وَلَقَدْ كَانَ حَجَرُ الْمَنْجَنِيقِ يَقَعُ عَلَى طَرَفِ ثَوْبِهِ فَلَا يَنْزَعِجُ بِذَلِكَ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، فَيُقَاتِلُهُمْ

كَأَنَّهُ أَسَدٌ ضَارٍ، حَتَّى جَعَلَ النَّاسُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ إِقْدَامِهِ وَشَجَاعَتِهِ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بَاتَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي طُولَ لَيْلَتِهِ، ثُمَّ جَلَسَ فَاحْتَبَى بِحَمِيلَةِ سَيْفِهِ، فَأَغْفَى ثُمَّ انْتَبَهَ مَعَ الْفَجْرِ عَلَى عَادَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَذِّنْ يَا سَعْدُ. فَأَذَّنَ عِنْدَ الْمَقَامِ، وَتَوَضَّأَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتِي الْفَجْرِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ قَرَأَ سُورَةَ «ن» حَرْفًا حَرْفًا، ثُمَّ سَلَّمَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا أُرَانِي الْيَوْمَ إِلَّا مَقْتُولًا; فَإِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنَّ السَّمَاءَ فُرِجَتْ لِي، فَدَخَلْتُهَا، وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ مَلِلْتُ الْحَيَاةَ، وَجَاوَزَتْ سِنِّي اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً، اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّ لِقَاءَكَ، فَأَحِبَّ لِقَائِي. ثُمَّ قَالَ: اكْشِفُوا وُجُوهَكُمْ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْكُمْ، فَكَشَفُوا عَنْ وُجُوهِهِمْ وَعَلَيْهِمُ الْمَغَافِرُ، فَحَرَّضَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَالصَّبْرِ، ثُمَّ نَهَضَ بِهِمْ، فَحَمَلَ وَحَمَلُوا حَتَّى كَشَفُوهُمْ إِلَى الْحَجُونِ، فَجَاءَتْهُ آجُرَّةٌ فَأَصَابَتْهُ فِي وَجْهِهِ، فَارْتَعَشَ لَهَا، فَلَمَّا وَجَدَ سُخُونَةَ الدَّمِ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ:

وَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا … وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدِّمَا

ثُمَّ رَجَعَ، فَجَاءَهُ حَجَرُ مَنْجَنِيقٍ مِنْ وَرَائِهِ فَأَصَابَهُ فِي قَفَاهُ فَوَقَذَهُ، ثُمَّ

وَقْعَ إِلَى الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ انْتَهَضَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ، وَابْتَدَرَهُ النَّاسُ، فَشَدَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَضَرَبَ الرَّجُلَ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى مِرْفَقِهِ الْأَيْسَرِ، وَجَعَلَ يَضْرِبُ وَمَا يَقْدِرُ أَنْ يَنْتَهِضَ حَتَّى كَثُرُوا عَلَيْهِ، فَابْتَدَرُوهُ بِالسُّيُوفِ، فَقَتَلُوهُ ﵁، وَجَاءُوا إِلَى الْحَجَّاجِ فَأَخْبَرُوهُ، فَخَرَّ سَاجِدًا – قَبَّحَهُ اللَّهُ – ثُمَّ قَامَ هُوَ وَطَارِقُ بْنُ عَمْرٍو حَتَّى وَقَفَا عَلَيْهِ، وَهُوَ صَرِيعٌ، فَقَالَ طَارِقُ: مَا وَلَدَتِ النِّسَاءُ أَذْكَرَ مِنْ هَذَا. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: تَمْدَحُ مَنْ يُخَالِفُ طَاعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ أَعْذَرُ لَنَا; إِنَّا مُحَاصِرُوهُ وَلَيْسَ هُوَ فِي حِصْنٍ وَلَا خَنْدَقٍ وَلَا مَنَعَةٍ يَنْتَصِفُ مِنَّا، بَلْ يُفَضَّلُ عَلَيْنَا فِي كُلِّ مَوْقِفٍ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ صَوَّبَ طَارِقًا.

وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ ارْتَجَّتْ مَكَّةَ بُكَاءً عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵀، فَخَطَبَ الْحَجَّاجُ النَّاسَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ مِنْ خِيَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ حَتَّى رَغِبَ فِي الْخِلَافَةِ، وَنَازَعَهَا أَهْلَهَا، وَأَلْحَدَ فِي الْحَرَمِ، فَأَذَاقَهُ اللَّهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَإِنَّ آدَمَ كَانَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ أَشْرَفُ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ وَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ، قُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ.

Continue Reading

Previous: الرزية في كتب الشيعة
Next: القران في رواياتنا
قلعة الشيعه | MoreNews by AF themes.