وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) سورةمريم
كأن أيديهن في القاع الفرق أيدي جوار يتعاطين الورق
وقال الآخر :
فتى لو يباري الشمس ألقت قناعها أو القمر الساري لألقى المقالدا
ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي :
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له حتى ظننت قوافيه ستقتتل
وقال مجاهد ، وقتادة ، والسدي : أراد بالموالي العصبة . وقال أبو صالح : الكلالة .
وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان – رضي الله عنه – أنه كان يقرؤها : ” وإني خفت الموالي من ورائي “ بتشديد الفاء بمعنى : قلت عصباتي من بعدي .
وعلى القراءة الأولى ، وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفا سيئا ، فسأل الله ولدا ، يكون نبيا من بعده ، ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه . فأجيب في ذلك ، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله ، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده أن يأنف من وراثة عصباته له ، ويسأل أن يكون له ولد ، فيحوز ميراثه دونه دونهم . هذا وجه .
الثاني : أنه لم يذكر أنه كان ذا مال ، بل كان نجارا يأكل من كسب يديه ، ومثل هذا لا يجمع مالا ، ولا سيما الأنبياء ، عليهم السلام ، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا .
الثالث : أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة “ وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح : ” نحن معشر الأنبياء لا نورث “ وعلى هذا فتعين حمل قوله : ( فهب لي من لدنك وليا يرثني ) على ميراث النبوة; ولهذا قال : ( ويرث من آل يعقوب ) ، كما قال تعالى : ( وورث سليمان داود ) [ النمل : 16 ] أي : في النبوة; إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك ، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة ، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه ، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها ، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث : ” نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة “
وقوله : ( يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ) ، أي : أخبر سليمان بنعم الله عليه ، فيما وهبه له من الملك التام ، والتمكين العظيم ، حتى إنه سخر له الإنس والجن والطير . وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضا ، وهذا شيء لم يعطه أحد من البشر – فيما علمناه – مما أخبر الله به ورسوله . ومن زعم من الجهلة والرعاع أن الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داود – كما يتفوه به كثير من الناس – فهو قول بلا علم . ولو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة ; إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم ، ويعرف ما تقول ، فليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا ، بل لم تزل البهائم والطيور وسائر المخلوقات من وقت خلقت إلى زماننا هذا على هذا الشكل والمنوال . ولكن الله سبحانه وتعالى ، كان قد أفهم سليمان ، عليه السلام ، ما يتخاطب به الطيور في الهواء ، وما تنطق به الحيوانات على اختلاف أصنافها ; ولهذا قال : ( علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ) أي : مما يحتاج إليه الملك ، ( إن هذا لهو الفضل المبين ) أي : الظاهر البين لله علينا .
قال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن المطلب ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ” كان داود ، عليه السلام ، فيه غيرة شديدة ، فكان إذا خرج أغلقت الأبواب ، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع “ . قال : ” فخرج ذات يوم وأغلقت الأبواب ، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار ، فإذا رجل قائم وسط الدار ، فقالت لمن في البيت : من أين دخل هذا الرجل ، والدار مغلقة ؟ والله لنفتضحن بداود ، فجاء داود ، عليه السلام ، فإذا الرجل قائم وسط الدار ، فقال له داود : من أنت ؟ قال : الذي لا يهاب الملوك ، ولا يمتنع من الحجاب . فقال داود : أنت والله إذا ملك الموت . مرحبا بأمر الله ، فتزمل داود ، عليه السلام ، مكانه حتى قبضت نفسه ، حتى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس ، فقال سليمان ، عليه السلام ، للطير : أظلي على داود ، فأظلت عليه الطير حتى أظلمت عليهما الأرض ، فقال لها سليمان : اقبضي جناحا جناحا “ قال أبو هريرة : يا رسول الله ، كيف فعلت الطير ؟ فقبض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يده ، وغلبت عليه يومئذ المضرحية .
قال أبو الفرج بن الجوزي : المضرحية النسور الحمر
كتاب تفسير الثعلبي
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
أشرف على إخراجه: د. صلاح باعثمان، د. حسن الغزالي، أ. د. زيد مهارش، أ. د. أمين باشه
تحقيق: عدد من الباحثين (٢١) مثبت أسماؤهم بالمقدمة (صـ ١٥)
أصل التحقيق: رسائل جامعية (غالبها ماجستير) لعدد من الباحثين
الناشر: دار التفسير، جدة – المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ – ٢٠١٥ م
عدد الأجزاء: ٣٣ (آخر ٣ فهارس)
تنبيه: سقطت (صـ ٤٤٢ من جـ ١١) من الأصل المطبوع (تكررت -مكانها- بالخطأ صفحة غيرها)، وقد راجعنا أكثر من مطبوعة، فوجدنا نفس الخطأ
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال الكلبي: غزا سليمان بن داود عليهما السلام أهل دمشق ونصيبين، فأصاب منهم ألف فرس (١).
وقال مقاتل: ورث سليمان من أبيه داود عليهما السلام ألف فرس، وكان أبوه أصابها من العمالقة (٢).
وقال عون (٣)، عن الحسن: بلغنا أنها كانت خيلًا خرجت من البحر لها أجنحة (٤). قال: فصلى سليمان عليه السلام الصلاة الأولى وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه، فعُرضت عليه منها تسعمائة، فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غابت وفاتته الصلاة ولم يُعلم بذلك هيبة له، فاغتم لذلك فقال: ردوها عليّ. (فردوها عليه) (٥) فعُرقِبت (٦)
————————————
(١) انظر: “الجامع لأحكام القرآن” للقرطبي ١٥/ ١٩٣.
نَصِيبِين: مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادّة القوافل من الموصل إلى الشام.
انظر: “معجم البلدان” لياقوت ٥/ ٢٨٨ (نصيبين).
(٢) “الجامع لأحكام القرآن” للقرطبي ١٥/ ١٩٣.
العمالقة: الجبابرة الذين كانوا بالشام وهم من بقية قوم عادٍ.
“لسان العرب” لابن منظور ١٠/ ٢٧١ (عملق).
(٣) عون بن أبي شداد العقيلي وقيل العبدي أبو معمر البصري مقبول من الخامسة، روى له (ق). “تقريب التهذيب” لابن حجر (٥٢٢١) (ص ٤٣٤)، “تهذيب الكمال” للمزي ٢٢/ ٤٥١.
(٤) “الجامع لأحكام القرآن” ١٥/ ١٩٣، “زاد المسير” لابن الجوزي ٧/ ١٢٨.
(٥) سقطت من (م).
(٦) قال في “لسان العرب” لابن منظور ١/ ٥٩٤ (عرقب): عَرقَبَ الدابة: قطع عُرقُوبها، والعَرقُوب: الوتر الذي خلف الكعبين من مفصل القدم والساق من ذوات الأربع.
الكتاب: التفسير البسيط
المؤلف: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)
أصل تحقيقه: (١٥) رسالة دكتوراة بجامعة الإمام محمد بن سعود، ثم قامت لجنة علمية من الجامعة بسبكه وتنسيقه
الناشر: عمادة البحث العلمي – جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
الطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ
عدد الأجزاء: ٢٥ (٢٤ والفهارس)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وقال مقاتل: {ظُلْمًا وَعُلُوًّا} شركًا وتكبرًا (١). وهذا يدل على أن اليقين بالقلب مع الجحود والإنكار باللسان لا ينفع ولا يكون إيمانًا.
{فَانْظُرْ} يا محمد {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} في الأرض بالمعاصي (٢).
١٥ – قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا} قال ابن ىاس ومقاتل: علمًا بالقضاء، وبكلام الطير والدواب (٣) وتسبيح الجبال (٤).
{وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا} أي: بالنبوة والكتاب، وإلانة الحديد، وتسخير الشياطين والجن، والإنس (٥)، والمُلْك الذي أعطاهما الله وفضلهما به (٦) {عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} (٧).
١٦ – وقوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} قال ابن عباس: ورث منه النبوة.
وقال السدي: ورث نبوته.
وقال مقاتل: ورث سليمان علم داود وملكه (٨).
—————————
(١) “تفسير مقاتل” ٥٧ أ.
(٢) “تفسير مقاتل” ٧٥ أ.
(٣) “تفسير مقاتل” ٥٧ ب. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٩١، ولم ينسبه. وفي “تنوير المقباس” ٣١٦: فهمًا بالنبوة والقضاء.
(٤) “تفسير الوسيط” ٣/ ٣٧٠، عن ابن عباس.
(٥) “تفسير الوسيط” ٣/ ٣٧٠، ولم ينسبه. وتفسير الطبرسى ٧/ ٣٣٤. وتفسير ابن الجوزي ٦/ ١٥٩.
(٦) “تفسير السمرقندي” ٢/ ٤٩١.
(٧) قال الشوكاني ٤/ ١٢٥: وفي الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلًا، على كثير من العباد، ومنح شرفًا جليلًا.
(٨) “تفسير مقاتل” ٥٧ ب. وهو قول ابن جرير ١٩/ ١٤١.
مسار الصفحة الحالية:
وقال القُتَبيُّ: الصَّافِن في كلام العرب: الواقف مِن الخيل وغيرِها؛ قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: “مَن سرَّه أنْ تقوم له الرجال صُفونًا فليتبوَّأ مقعدَه مِن النار” (١).
قولُه: {الْجِيَادُ}: جمع جَواد، وهو الذي يُجيدُ السَّيْر، ويتَّسِع في العَدْوِ، وهما وَصْفان:
أحدُهما: حُسْنُ هيأتها في وقوفها.
والثاني: جودة سَيرها حال ركضها.
قال الكلبي: غزا سليمان بن داود عليهما السلام أهلَ دمشقَ ونَصِيبين، فأصاب منهم ألف فرس، فكانت الخيل تُعرَضُ عليه وقت العصر، فعُرضتْ عليه منها تسعُ مئة، فتنبَّهَ لصلاة العصر، فإذا الصلاة فاته وقتُها، فأمر بها فعُرْقِبَتْ (٢) وبقِيَتْ منها مئة، وهي التي تناسلت إلى اليوم (٣).
وقال مقاتل: ورِثَ سليمان مِن أبيه ألف فرس كان أبوه أصابَها مِن العمالقة،
—————————-
(١) انظر: “غريب القرآن” لابن قتيبة (ص: ٣٧٩).
والحديث ذكره الخطابي في “غريب الحديث” (١/ ٣٩٧)، والماتريدي في “تأويلات أهل السنة” (٨/ ٦٢٦)، والهروي في “الغريبين” (مادة: صفن)، والثعلبي في “تفسيره” (٨/ ٢٠٠)، والزمخشري في “الكشاف” (٤/ ٩١)، من غير سند، وقال الزيلعي في “تخريج الكشاف” (٣/ ١٨٩): غريب.
والثابت في الحديث ما رواه الترمذي في “سننه” (٢٧٥٥) وحسنه، وأبو داود في “سننه” (٥٢٢٩)، والإمام أحمد في “مسنده” (١٦٨٣٠)، من حديث معاوية رضي اللَّه عنه، بلفظ: “من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار”.
(٢) يقال: عَرْقَبْتُ الدابة: إذا قطَعْت عُرْقُوبها، وهو كناية عن قتلها، والعُرْقُوب: العصب الغليظ المُوَتَّرُ فوق عَقِبِ الإنسان، وعُرْقوبُ الدابة في رِجلها بمنزلة الرُكبة في يدها. انظر: “تهذيب اللغة” للأزهري (٣/ ١٨٥) و”الصحاح” (مادة: عرقب).
(٣) وهذا من خرافات الكلبي وما أكثرها!
