معنى كلمة صغت في القران الكريم
التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة “صغو”
الصغو: الميل. يقال: صغت النجوم، والشمس صغوا (يقال: صغوا وصغوا. اللسان (صغا) ) : مالت للغروب، وصغيت الإناء، وأصغيته، وأصغيت إلى فلان: ملت بسمعي نحوه، قال تعالى: ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة [الأنعام/113]، وحكي: صغوت إليه أصغو، وأصغى، صغوا وصغيا، وقيل: صغيت أصغى، وأصغيت أصغي (في اللسان: وأصغيت إلى فلان: إذا ملت بسمعك نحوه). وصاغية الرجل: الذين يميلون إليه، وفلان مصغى إناؤه (يقال: فلان مصغى إناؤه: إذا نقص حقه. انظر: المجمل 2/534)، أي: منقوص حظه، وقد يكنى به عن الهلاك، وعينه صغواء إلى كذا، والصغي: ميل في الحنك والعين.
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) ﴿١١٣ الأنعام﴾
وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ (4) ﴿٤ التحريم﴾
وجَدَتْ حَفْصةُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع أُمِّ إبراهيمَ في يَومِ عائشةَ، فقالت: لأُخبِرَنَّها، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هي علَيَّ حَرامٌ إنْ قَرُبتُها، فأخْبَرَتْ عائشةَ بذلك، فأعلَمَ اللهُ عزَّ وجلَّ رسولَه بذلك، فعَرَّفَ حَفْصةَ بعضَ ما قالت، قالت: مَن أخْبَرَكَ؟ قال: {نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم: 3]، فآلَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من نِسائِه شَهرًا؛ فأنزَلَ اللهُ: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] الآيةَ. قال ابنُ عبَّاسٍ: فسَأَلتُ عُمَرَ: مَنِ اللَّتانِ تَظاهَرَتا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ فقال: حَفْصةُ وعائشةُ.
الراوي : عبدالله بن عباس | المحدث : شعيب الأرناؤوط | المصدر : تخريج سنن الدارقطني | الصفحة أو الرقم : 4014
| التخريج : أخرجه الدارقطني (4014)، والواحدي في ((أسباب النزول)) (ص:441) كلاهما بلفظه، والطبراني (12/ 117، رقم12640) بنحوه.
التخريج : أخرجه مسلم (1479)، والترمذي (3318)، وأحمد (222) واللفظ لهم.
رُبَّما كان مِنْ نِساءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَنْ يَقَعُ منها في حَقِّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِثْلُ ما يَقَعُ مِنَ النِّساءِ في حَقِّ أزواجِهِنَّ مِنَ الغَيرَةِ والمُضايَقاتِ وما شابَه.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّه كان حَريصًا على أنْ يَسأَلَ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه عَنِ المَرْأَتَينِ مِن أزْواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اللَّتَيْنِ قالَ اللهُ لهمَا: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] . و«صَغَتْ»، أي: مالَتْ وانحَرَفَت عن الواجبِ، والمعْنى: إنْ تَتُوبَا إلى اللهِ، فَلِتَوبتِكُما مُوجِبٌ أو سَببٌ؛ وهو أنْ قدْ مالَتْ قُلوبُكما عن الحقِّ، وانحَرَفَت عمَّا يَجِبُ عَليكما نحْوَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ مِن كِتمانٍ لسِرِّه، وحِرصٍ على راحتِه، واحترامٍ لكلِّ تَصرُّفٍ مِن تَصرُّفاتِه.
فظلَّ ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما حَريصًا على ذلك، إلَّا أنَّه مِن هَيْبتِه لعُمَرَ ما اسْتَطاعَ أنْ يَسألَهُ حتَّى جاءَت الفُرصَةُ عندَ خُروجِهمْ للحَجِّ؛ وكان ابنُ عبَّاسٍ في رُفْقتِه، ويَحْكي ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّه في أثناءِ عَودتِهم بعْدَ انقضاءِ حَجِّهم، أخَذَ عمَرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه جانِبًا عن الطَّريقِ المَسْلوكةِ إلى طَريقٍ لا تُسلَكُ غالِبًا؛ لِيَقْضيَ حاجَتَه مِن البَولِ والغائطِ، وذهَبَ معه ابنُ عبَّاسٍ بالإدَاوَةِ -وهي إنَاءٌ صَغِيرٌ من جِلْدٍ يُتَّخَذُ للماءِ- فقَضَى عمَرُ رَضيَ اللهُ عنه حاجَتَه، فلمَّا جاء سَكَبَ ابنُ عبَّاسٍ على يَديهِ الماءَ منَ الإدَاوةِ فَتوضَّأَ، ثمَّ سَأَلَه عَقِبَ وُضوئِه عن المَرأتينِ مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اللَّتينِ نَزَلَت فيهما الآيةُ، فتَعجَّبَ عمَرُ رَضيَ اللهُ عنه مِن ابنِ عبَّاسٍ كَيف خَفيَ عليه هذا الأمرُ مع شُهرتِه بيْنهم بعِلمِ التَّفسيرِ؟ وإمَّا لأنَّه رَأى في سُؤالِه حِرصًا لا يَتنبَّهُ له إلَّا الحريصُ على العِلمِ مِن تَفسيرِ ما أُبهِمَ في القرآنِ. وقيل: قال عمَرُ ذلك تَعجُّبًا، كأنَّه كَرِهَ ما سَأَلَه عنه. وأجابهُ إلى ما سَأَلَ بأنَّ المَرأتينِ هُما أمُّ المؤمنينَ حَفْصَةَ بنتُ عمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنهما، وأمُّ المؤمنينَ عائِشةُ بنتُ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنهما.
ثُمَّ شَرَع عمَرُ رَضيَ اللهُ عنه يَرْوي الَّذي حدَثَ؛ فقال: إنِّي كُنتُ وجارٌ لي مِن الأنْصارِ -وهو: أوسُ بنُ خَوْلَى بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريِّ رَضيَ اللهُ عنه- نَسكُنُ في بَني أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وهمْ مِن عَوالي المَدينةِ، أي: القُرى الَّتِي بِقُرْبِهَا مِن جِهةِ نَجْدٍ على بُعْدِ ثَلاثةِ أو أربعةِ أميالٍ مِن المدينةِ، وكُنَّا نَتَبادلُ الذَّهابَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فَينزِلُ هو يَومًا، وأنزِلُ يَومًا، فإذا نَزَلتُ جِئتُهُ مِن خَبرِ ذلك اليَومِ مِن الوَحْيِ أو الأوامِرِ الشَّرعيَّةِ وغَيرِ ذلك مِن الحَوادِثِ الكائنةِ عِندهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإذا نَزَلَ جاري فَعَلَ مِثلَ ذلك.
قال: وكُنَّا -مَعْشَرَ قُرَيْشٍ- نَغْلِبُ النِّسَاءَ، أي: نَحْكُمُ عليهنَّ ولا يَحْكُمْنَ عَلينا، فلَمَّا قَدِمْنا على الأنْصَارِ -وهمْ أهلُ المَدينةِ- إذا هُمْ قَومٌ تَغْلِبهمْ نِساؤهُمْ، فَليسَ لهمْ شِدَّةُ وَطْأةٍ وحكْمٍ عليهنَّ، فصارت نِساءُ المهاجِرين يَأخُذنَ مِن أدَبِ نِساءِ الأنْصارِ، أي: مِن سِيرَتِهنَّ وطَريقَتِهِنَّ مع أزواجِهنَّ، فَرَفَعْتُ صَوتي على امرأتي يَومًا، فرَدَّتْ عَلَيَّ الجوابَ، فَأنْكرْتُ أنْ تُراجِعَني، فَقالتْ: ولِمَ تُنْكِرْ علَيَّ أنْ أُراجِعَكَ؟ فَواللهِ إنَّ أزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَيُراجِعْنَهُ، وإنَّ إحْداهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليَومَ حتَّى الَّليلِ، وفي رِوايةٍ أُخرى في الصَّحيحينِ قالتْ: وإنَّ ابْنَتَك -تَعني: أمَّ المؤمنينَ حَفْصةَ رَضيَ اللهُ عنها- لَتُراجِعُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى يَظَلَّ يَومَه غَضْبانَ، فأفْزَعَني كَلامُها، فَقلتُ: خابَتْ وخَسِرت مَنْ فعَلَتْ مِنهُنَّ ذلك، وقد أتَتْ بأمرٍ عَظيمٍ.
ثمَّ أخبَرَ عمَرُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه لَبِسَ ثِيابَه، ثُمَّ ذَهبَ رَضيَ اللهُ عنه إلى ابنتِه حَفْصَةَ، فلمَّا دَخَل عليها سَأَلَها: أتُغاضِبُ إحْداكُنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اليَومَ حتَّى اللَّيلِ؟ فَأجابَتْ: نَعمْ يَحدُثُ ذلك. فقالَ عُمرُ: خَابتْ وَخَسِرتْ مَنْ غاضَبَتْه؛ أفَتَأْمَنُ الَّتي تُغاضِبهُ مِنكُنَّ أنْ يَغضَبَ اللهُ عليها لِغضَبِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟! فَتَهْلِكِينَ بهذا. وأَوصاها رَضيَ اللهُ عنه بألَّا تَطْلُبَ منهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الكَثيرَ، ولا تُراجِعَه في شَيءٍ، ولا تَهْجُرَه ولو هَجَرَها، وأن تَسْأَلَ عمَرَ ما بَدا لها، أي: تَطْلُبَ منه كلَّ ما تُرِيدُه وتَحتاجُه، ثمَّ قال: ولا يَغُرَّنَّكِ كونُ جَارتُكِ -أي: ضَرَّتُكِ، والعرَبُ تُطلِقُ على الضَّرَّةِ جارةً؛ لتَجاوُرِهما المَعنويِّ، ولِكونِهما عندَ شَخْصٍ واحدٍ- هي أجْمَلَ مِنكِ وأحبَّ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يُريدُ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عنها. والمعْنى: إيَّاكِ أنْ تَغترِّي بكونِ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنه تَفعَلُ ما نَهَيْتُكِ عنه، فلا يُؤاخِذُها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بذلك؛ لاحتمالِ ألَّا تَكوني عندَه في تلك المَنزلةِ، فلا يكونُ لك مِن الإدلالِ مِثلُ الَّذي لها.
ثُمَّ يَقولُ عُمرُ: وكُنَّا تَحَدَّثْنا -أي: كان عِندَهم خبَرٌ- أنَّ غَسَّانَ -وهمْ قومٌ مِن قَحْطانَ، نَزَلوا حِين تَفرَّقوا مِن سَدِّ مَأرِبَ بماءٍ يُقالُ له: غَسَّانُ، فسُمُّوا بذلك، وسَكَنوا بطَرَفِ الشَّامِ- تُنْعِلُ النِّعالَ، أي: تَصْنعُ الحَدِيدَ لأجْلِ حَوَافِرِ الخَيلِ، وتُعِدُّ خَيلَها ودَوابَّها. يُشيرُ بذلك إلى تَجهُّزِهم لغَزْوِ المسلمينَ، فنَزَلَ صَاحِبي إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في يَومه، فسَمِع اعتِزالَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ زَوجاتِه، فرَجَعَ إلى العَوالي عِشاءً، أي: في آخِرِ يَومِه ونِهايتِه، وضَرَبَ بابي ضَربًا شَديدًا، وقالَ: أنائمٌ هو؟ يَقولُ ذلك على سَبيلِ الاستخبارِ؛ وذلك لبُطْءِ إجابتِه له، فظَنَّ أنَّه نائمٌ. قال عمَرُ رَضيَ اللهُ عنه: فَفَزِعْتُ، أي: خِفْتُ لأجْلِ الضَّربِ الشَّديدِ، فخَرَجتُ إليهِ، وقال: حَدَثَ أمرٌ عَظيمٌ. قُلْتُ: ما هو؟ أجاءَتْ غَسَّانُ؟ قال: لا، بَلْ أعظَمُ مِنهُ وأزيَدُ؛ طَلَّقَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نِساءَهُ. قال: «طلَّقَ» بالجزْمِ، فيَحتمِلُ أنْ يكونَ الجزْمُ وَقَعَ مِن إشاعةِ بَعضِ أهْلِ النِّفاقِ، فتَناقَلَه النَّاسُ، وأصْلُه ما وَقَعَ مِن اعتزالِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لنِسائِه بذلك، ولم تَجْرِ عادتُه بذلك، فظَنُّوا أنَّه طلَّقَهنَّ.
قال عمَرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه: قَدْ خابَتْ حَفْصَةُ وخَسِرَتْ؛ كُنْتُ أظُنُّ أنَّ هذا يُوشِكُ أنْ يَحدُثَ؛ لأنَّ المُراجَعةَ قدْ تُفْضي إلى الغضَبِ المُفْضي إلى الفُرْقةِ. وخصَّ حَفْصةَ رَضيَ اللهُ عنها بالذِّكرِ لمَكانتِها منه؛ لكَونِها ابنتَه، ولكونِه كان قَريبَ العهْدِ بتَحذيرِها مِن وُقوعِ ذلك.
فلَبِسَ عمَرُ رَضيَ اللهُ عنه ثِيابَه، وذَهَبَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فصَلَّى الفَجْرَ مَعهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ودَخَلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَشْرُبةً له، أي: غُرْفَةً مُرتَفِعةً له يُخزَّنُ فيها الطَّعامُ، فَاعْتَزلَ فيها صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نِساءَه، فَدخَلْتُ على حَفْصَةَ، فإذا هي تَبْكي، قُلتُ: ما يُبْكِيكِ؟! أوَلَمْ أكُنْ حَذَّرْتُكِ؟ يعني: مِن أنْ تُغاضِبي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أو تُراجِعيه أو تَهْجُريه. ثمَّ استَفْهَمَها عمَّا سَمِعَه، فقال: أطَلَّقَكُنَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ قَالتْ: لا أدْري، هو ذَا في المَشْرُبَةِ، فخَرَجَ عمَرُ إلى المسجِدِ فوَجَدَ عندَ المِنبرِ رَهْطًا -دُونَ العَشرةِ مِن الرِّجالِ- يَبْكي بَعضُهمْ، فَجلَسَ مَعهمْ قَليلًا، قال: ثُمَّ غَلبَني ما أجِدُ، أي: شُغِلَ قَلْبُه ما بَلَغَه مِن تَطليقِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نِساءَه، ومِن جُملتِهنَّ بِنتُه، وفي ذلك مِن المَشقَّةِ ما لا يَخْفى، فَجِئْتُ المَشْرُبةَ الَّتي هو صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيها، فقُلْتُ لِغُلامٍ له أسْوَدَ -اسْمُهُ رَباحٌ-: استأذِنْ لِعُمرَ، فدخَلَ فَكلَّمَهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ خَرَجَ، فقالَ: ذَكَرتُكَ له فَصَمَتَ ولمْ يَأذَنْ في الدُّخولِ، فانْصَرفَ عُمرُ وجلَسَ مع النَّاسِ الَّذين عندَ المِنبرِ، وكَرَّرَ ذلكَ مَرَّتَيْنِ. فلمَّا وَلَّيْتُ مُنصَرِفًا في المرَّةِ الثَّالثةِ، فإذا الغُلامُ يَدعُوني، قال: أذِنَ لكَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الدُّخولِ، فدَخَلتُ عليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فإذا هو مُضْطَجِعٌ على رِمالِ حَصيرٍ، أي: على ما نُسِجَ مِن حَصيرٍ، لَيسَ بيْنهُ وبيْن الحصيرِ فِراشٌ، قَدْ أثَّرَ الرِّمالُ بجَنْبهِ الشَّريفِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهو مُتَّكِئٌ على وِسادَةٍ مِن أدَمٍ، أي: مِن جِلْدٍ مَدبوغٍ، حَشْوُها لِيفُ النَّخْلِ، فسَلَّمْتُ عليه، ثُمَّ قُلْتُ وأنا قائِمٌ: طَلَّقْتَ نِساءَكَ؟ فرَفَعَ بَصرَهُ إليَّ فقال: لا.
ثُمَّ قُلتُ وأنا قائِمٌ: أسْتَأْنِسُ يا رَسُولَ الله -أي: أتَبَصَّرُ هَلْ يَعودُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى الرِّضا، أو أقولُ قَولًا أُطيِّبُ به قلْبَه وأُسكِنُ غَضَبَه؟- لو رَأيْتَني وكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلمَّا قَدِمْنا على قَومٍ تَغْلِبُهمْ نِساؤُهمْ، ثُمَّ حَكَى له ما حدَثَ مع امرأتِه، فتَبَسَّم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ له ما قالَه لِحَفْصَةَ: لا يَغُرَّنَّكِ أنْ كَانَتْ جَارَتُكِ -يعني عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها- هي أوْضَأَ مِنْكِ، وأَحَبَّ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فتَبَسَّمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَرَّةً أُخْرَى، فَجَلَسَ عمرُ حِينَ رأى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَبَسَّمَ، ثُمَّ نظَرَ عمَرُ في غُرفةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الَّتي يَجْلِسُ فيها، فيُقسِمُ عمَرُ: فَوَاللهِ ما رَأَيتُ فيه شَيئًا يَرُدُّ البَصَرَ غَيرَ أهَبَةٍ ثَلاثةٍ –جَمْعُ: إهَابٍ، وهو الجِلْدُ- وهذا كلُّه كِنايةٌ عن رَثاثَةِ هَيئةِ المكانِ الَّذي كان به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وشِدَّةِ الحالِ الَّتي كان عليها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقُلتُ: ادْعُ اللهَ فَلْيُوسِّعْ على أُمَّتِكَ؛ فإنَّ فَارِسَ والرُّومَ -مَملكتانِ عَظيمتانِ في ذلك الزَّمنِ- وُسِّعَ عَليهمْ وأُعْطُوا الدُّنيا وهمْ لا يَعبُدونَ اللهَ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُتَّكِئًا فَجلسَ، فقال له على سَبيلِ الإنكارِ: أوَفي شَكٍّ أنتَ يا ابنَ الخطَّابِ؟! يعني: أأنْتَ في شَكٍّ في أنَّ النَّعيمَ والسَّعةَ في الآخرةِ خَيرٌ مِن النَّعيمِ والسَّعةِ في الدُّنيا؟! أُولئِكَ -أي: فارِسُ والرُّومُ- قَومٌ عُجِّلَتْ لهم طَيِّباتُهم في الحَياةِ الدُّنيا. فَقلتُ: يا رَسولَ الله، اسْتغفِر لي، أي: عن جَراءَتي بهذا القولِ في حَضْرتِك.
واعْتَزلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنْ أجْلِ ذلك الحَديثِ حِينَ أفْشَتْهُ حَفْصَةُ إلى عائشةَ، ولمْ يُفَسِّرِ هنا الحَديثَ الَّذي أفْشَتْهُ حَفْصَةُ، وفي الصَّحيحَينِ: «أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يَشرَبُ عَسَلًا عِندَ زَيْنَبَ بِنتِ جَحْشٍ، ويَمكُثُ عِندَها، فَتَوَاطَأتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ على أنَّ أيَّتَهُما دَخلَ عَليها فَلتَقُلْ له: أأكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ إنِّي أجِدُ منكَ رِيحَ مَغافيرَ. فقال: لا، ولَكِنِّي كُنتُ أشرَبُ عَسلًا عِندَ زَيْنَبَ بنتِ جَحْشٍ ولَنْ أعُودَ له، وقَدْ حَلَفْتُ فلا تُخبِري بذلك أحدًا»، وقيل: السَّبَبُ مجموعُ ما كان مِن أزواجِه مِن إغْضابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وليس حَدَثًا بِعَيْنِهِ.
وكانَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ قالَ: ما أنا بِداخلٍ عليهنَّ -أي: على نِسائِهِ- شَهْرًا؛ مِن شِدَّةِ غَضَبهِ عليهنَّ حِينَ عاتَبهُ اللهُ بِقولهِ: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم: 1] .
فَلمَّا مَضَتْ تِسعٌ وعِشرونَ لَيلةً دَخلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على عائشَةَ رَضيَ اللهُ عنها، فَبدَأَ بها، فقالَتْ له عائشَةُ: إنَّكَ أقْسَمْتَ ألَّا تَدخُلَ عَلينا شَهرًا، وإنَّا أصْبَحْنا لِتِسعٍ وعِشرينَ لَيلةً أعُدُّها عَدًّا. فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: الشَّهرُ –يعني: الَّذي آليتُ فيه- تِسعٌ وعِشرونَ لَيلةً.
قَالتْ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها: فأُنْزِلَتْ آيةُ التَّخْييرِ، والَّتي فيها يُخَيِّرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أزواجَهُ بيْن الطَّلاقِ والفِرَاقِ، وأنْ يُعطِيَهُنَّ مُتْعةً، وبيْن أنْ يَبْقَينَ زَوجاتٍ له ويَصبِرْنَ معه على شِدَّةِ العَيشِ، وهي قَولُ اللهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28، 29] ، فَبدَأَ بي أوَّلَ امْرأةٍ مِن نِسائِه، فقال: إنِّي ذاكِرٌ لكِ أمرًا، ولا عَليكِ ألَّا تَعْجَلي حتَّى تَسْتَأْمِري أبوَيْكِ. أي: لا بَأْسَ عليكِ في عدَمِ التَّعجيلِ، أو «لا» زائدةٌ، والمعْنى: لَيس عليك التَّعجيلُ حتَّى تَسْتشيري أبَوَيكِ. قالتْ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها: أعلَمُ أنَّ أبوَيَّ لمْ يَكونا يَأمُراني بفِراقِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ لها الآيتَينِ، فقالت عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها: أفِي هذا أسْتَأْمِرُ أبوَيَّ؟! فإنِّي أُريدُ اللهَ ورَسولَهُ والدَّارَ الآخِرةَ، ثُمَّ خَيَّرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نِساءَهُ، فَقُلْنَ مِثلَ ما قالتْ عائِشَةُ: نُريدُ اللهَ ورَسولَهُ والدَّارَ الآخِرةَ.
وفي الحَديثِ: فَضيلةُ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه.
وفيه: زُهْدُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وفَضيلةُ الزُّهْدِ، والاكْتِفاءِ بالقليلِ منَ العَيشِ، وكَونُه مِن أخلاقِ النَّبيِّينَ.
وفيه: أنَّ مَتاعَ الدُّنيا لا يَبقى، بخِلافِ نَعيمِ الآخِرةِ؛ فهو الَّذي له البقاءُ.
وفيه: أنَّ المرأةَ تُعاقَبُ على إفشاءِ سِرِّ زَوجِها.
وفيه: أنَّ المرأةَ الرَّشيدةَ لا بَأسَ أنْ تُشاوِرَ أبَوَيها أو ذَوِي الرَّأيِ مِن أهلِها في أمْرِ نَفسِها.
وفيه: ضَحِكُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ التَّبَسُّمُ إكرامًا لِمَنْ يَضحَكُ إليه.
وفيه: الحِرصُ على طَلبِ العِلمِ، والتَّناوبُ في العِلمِ والاشْتِغالِ بهِ.
وفيه: فضْلُ أمِّ المؤمنينَ عائشَةَ رَضِيَ الله تعالَى عنها.
سْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (9) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)
هذه سورة التحريم، وقد نزلت في عائشة وحفصة بالإجماع…
قال ابن الجوزي: ثم خاطب عائشة وحفصة فقال: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} أي من التعاون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيذاء {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} قال ابن عباس: زاغت وأثمت، قال الزجاج: عدلت وزاغت عن الحق، قال مجاهد: كنا نرى قوله عز وجل: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} شيئاً هيناً حتى وجدناه في قراءة ابن مسعود: {فقد زاغت قلوبكما} وإنما جعل القلبين جماعة لأن كل اثنين فما فوقهما جماعة.
زاد المسير ج 8 ص 52
قال محمد عبدالقادر: صغا: مال، وبابه عدا وسما ورمى وصدي وصغيا أيضاً، قلت: ومنه قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} وقوله تعالى {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ}.
مختار الصحاح ص 193
وقال القرطبي: قوله تعالى: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} يعني حفصة وعائشة، حثهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صلي الله عليه وسلم {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} أي زاغت ومالت عن الحق، وهو أنهما أحبتا ما كره النبي صلي الله عليه وسلم من اجتناب جاريته واجتناب العسل، وكان عليه السلام يحب العسل والنساء.
تفسير القرطبي ج 18 ص 188
قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن أبي ثور، عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر رضي الله عنه عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله لهما: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} فحججت معه فعدل وعدلت معه بالاداوة فتبرز حتى جاء فسكبت على يديه من الاداوة فتوضأ فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال لهما: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} ؟
فقال: واعجبى لك يا ابن عباس! عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه فقال…
صحيح البخاري ج 3 ص 103
صحيح مسلم ج 4 ص 192
ما هي المظاهرة؟
قال ابن منظور: وتظاهروا عليه: تعاونوا، وأظهره الله على عدوه. وفي التنزيل العزيز: {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} وظاهر بعضهم بعضاً: أعانه، والتظاهر: التعاون. وظاهر فلان فلاناً: عاونه. والمظاهرة: المعاونة، وفي حديث عليٍ عليه السلام: أنه بارز يوم بدر وظاهر: أي نصر وأعان. والظهير: العون.
لسان العرب ج 4 ص 525
وقال القرطبي: قوله تعالى : {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} أي تتظاهرا وتتعاونا على النبي صلي الله عليه وسلم بالمعصية والايذاء.
تفسير القرطبي ج 18 ص 189
والآيات ساكتة عن تعيين المظاهرة،
قال البخاري: حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج بن محمد، عن ابن جريج قال:
زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول: سمعت عائشة تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً، فتواصيت أنا وحفصة أن ايتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل: أني أجد منك ريح مغافير! أكلت مغافير؟!
فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: لا، بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له فنزلت {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} … {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّه} لعائشة وحفصة {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} لقوله بل شربت عسلاً.
صحيح البخاري ج 7 ص 232
