تعريف الإعجاز وضرورته
المطلب الأول : معنى الإعجاز لغة واصطلاحا:
أولا: الإعجاز لغة :
من أعجز وعجز اذا ضعف وهو ما يقابل القدرة. ومن معاني الإعجاز الفوت والسبق، يقال : أعجزه الشيء ، أي فاته . وإحداث العجز، يقال: أعجز فلان فلانا، أي صيره عاجزا . ووجدان العجز ، يقال : أعجز فلان فلانا ، أي وجده عاجزا[1].
وردَّ ابن فارس العجر الى اصلين هما الضعف ومؤخرة الشيء[2].
ويرى الباحث هو انه اصل واحد؛ لانَّ الضعف هو ما يؤخر الشخص, فلذا كان الأولى ان يعرف العجز بالضعف المقرون بالتأخر.
ثانيا: اصطلاحاً :
عُرف الإعجاز بتعاريف عديدة وهذه التعاريف كان للقبليات المعرفية الاثر الكبير في صياغتها, إذ ان مسألة الإعجاز ترتبط ارتباطا وثيقا بمجموع المنظومة المعرفية. ومن يتأمل ويدقق في تلك التعاريف يجد ذلك حاضـرا.
قال الشيخ المفيد (413هـ): (المعجز هو الأمر الخارق للعادة المطابق للدعوى المقرون بالتحدي المتعذر على الخلق الإتيان بمثله )[3].
وقال الشيخ الطوسي (460هـ) : (وهو ثبوت ما ليس بمعتاد أو نفي ما هو معتاد مع خرق العادة ومطابقة الدعوى)[4].
وقال السيوطي (911هـ): (المعجزة أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة)[5].
وعرفها السيد عبد الله شبر (ت 1242هـ) : (المعجز هو الذي يأتي به مدعى النبوة بعناية الله الخاصة خارقا للعادة وخارجا عن حدود القدرة البشـرية وقوانين العلم والتعلم ليكون بذلك دليلا على صدق النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وحجته في دعواه النبوة ودعوته)[6].
وقال الآلوسي (1270هـ): (ان حقيقة المعجزة الأمر الخارق للعادة يظهر على يد مدعي النبوة عند التحدي ..) [7].
وقال العلامة الطباطبائي (1402هـ): هو (الأمر الخارق للعادة ، الدال على تصـرف ما وراء الطبيعة في عالم الطبيعة ونشأة المادة ، لا بمعنى الأمر المبطل لضـرورة العقل)[8].
عرفها السيد الخوئي! (1413هـ): (أن يأتي المدعي لمنصب من المناصب الإلهية بما يخرق نواميس الطبيعة ويعجز عنه غيره شاهداً على صدق دعواه)[9].
ونلاحظ من التعاريف المتقدمة أنَّ اكثرها سدادًا هو ما ذكره السيد عبد الله شبر والسيد الخوئي اذ كانت ناظرة الى حقيقة الإعجاز وفلسفته الاساس, التي هي أن تكون دليلا على النبوة وشاهدا عليها.
ونذكر هنا مجموعة من الروايات تؤيد ما ذهبنا اليه منها:
ما رواه البرقي مرسلا عن أَبِي جعفر (عليه السلام) : ( إِنَّ القرآن شَاهِدُ الْـحَق )[10].
ومنها: جاء في تفسير العسكري(عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم): (فَتَعْلَمُونَ بِعَجْزِكُمْ عَمَّا جَاءَ بِهِ أَنَّهُ مُعْجِزَةٌ وَ أَنَّ ذَلِكَ شَهَادَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى بِالصِّدْقِ لَهُ)[11].
ومنها: ما عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: (قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): لِأَيِّ عِلَّةٍ أَعْطَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَأَعْطَاكُمُ الْـمُعْجِزَةَ ؟ فَقَالَ (عليه السلام): لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِ مَنْ أَتَى بِهِ وَالْـمُعْجِزَةُ عَلَامَةٌ للهِ لَا يُعْطِيهَا إِلَّا أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَحُجَجَهُ لِيُعْرَفَ بِهِ صِدْقُ الصَّادِقِ مِنْ كَذِبِ الْكَاذِبِ) [12].
وفي حديث آخر عن الامام الرضا (عليه السلام) يؤكد هذا المعنى بقوله : (… جُعِلَ دَلِيلَ الْبُرْهَانِ وَ الْحُجَّةَ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد) [13].
فالظاهر من النصوص المتقدمة أنَّ الهدف الاساس من المعجزة هو ان تكون شاهدا على صدق دعوى النبي (صلى الله عليه واله وسلم) ودليلا عليها, فليس الغاية هي التحدي إذ لا تتفق مع الهدف الاسمى من بعثة الأنبياء, وهو انقاذ الناس, واخراجهم من الظلمات الى النور.
[1] الفراهيد: كتاب العين 1: 215.
[2] معجم مقاييس اللغة4: 232.
[3] النكت الاعتقادية: 35.
[4] تجريد الاعتقاد :214.
[5] الاتقان في علوم القرآن 2: 311.
[6] تفسير القرآن الكريم: 3.
[7] روح المعاني16 : 285.
[8] الميزان في تفسير القرآن 1: 73.
[9] ابو القاسم: البيان في تفسير القرآن, ط4-1395-1975م, الناشر: دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع, بيروت – لبنان:33.
[10] البرقي: المحاسن 1 : 268.
[11] تفسير الامام العسكري: 505.
[12] الصدوق: علل الشرائع 1 : 122.
[13] الصدوق: عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2 :130.
شروط المعجزة :
من التعاريف التي ذكرها العلماء للمعجزة نجد ان لها شـروطا وهي:
1ـ ان تكون المعجزة أمراً خارقاً للعادة: إذ لو كانت امرا مألوفا عاديا لما كان معجزة، جاء في تفسير العسكري(عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم): (وَ أَمَّا قَوْلُكَ لِي: وَ لَوْ كُنْتَ نَبِيّاً لَكَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يُصَدِّقُكَ وَ نُشَاهِدُهُ، بَلْ لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْنَا نَبِيّاً- لَكَانَ إِنَّمَا يَبْعَثُ مَلَكاً لَا بَشـراً مِثْلَنَا ، فَالْـمَلَكُ لَا تُشَاهِدُهُ حَوَاسُّكُمْ، لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ هَذَا الْهَوَاءِ، لَا عِيَانَ مِنْهُ، وَ لَوْ شَاهَدْتُمُوهُ- بِأَنْ يُزَادَ فِي قُوَى أَبْصَارِكُمْ- لَقُلْتُمْ: لَيْسَ هَذَا مَلَكاً، بَلْ هَذَا بَشـر؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَظْهَرُ لَكُمْ بِصُورَةِ الْبَشـر- الَّذِي قَدْ أَلَّفْتُمُوهُ لِتَفْهَمُوا عَنْهُ مَقَالَهُ، وَ تَعْرِفُوا بِهِ خِطَابَهُ وَ مُرَادَهُ، فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقَ الْـمَلَكِ- وَ أَنَّ مَا يَقُولُهُ حَقٌّ بَلْ إِنَّمَا بَعَثَ اللهُ بَشـراً، وَ أَظْهَرَ عَلَى يَدِهِ الْـمُعْجِزَاتِ- الَّتِي لَيْسَتْ فِي طَبَائِعِ الْبَشـر- الَّذِينَ قَدْ عَلِمْتُمْ ضَمَائِرَ قُلُوبِهِمْ، فَتَعْلَمُونَ بِعَجْزِكُمْ عَمَّا جَاءَ بِهِ أَنَّهُ مُعْجِزَةٌ وَ أَنَّ ذَلِكَ شَهَادَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى بِالصِّدْقِ لَهُ، وَ لَوْ ظَهَرَ لَكُمْ مَلَكٌ وَ ظَهَرَ عَلَى يَدِهِ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ الْبَشـر، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّكُمْ- أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي طَبَائِعِ سَائِرِ أَجْنَاسِهِ مِنَ الْـمَلَائِكَةِ- حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ مُعْجِزاً. أَ لَا تَرَوْنَ أَنَّ الطُّيُورَ الَّتِي تَطِيرُ- لَيْسَ ذَلِكَ مِنْهَا بِمُعْجِزٍ؛ لِأَنَّ لَهَا أَجْنَاساً يَقَعُ مِنْهَا مِثْلُ طَيَرَانِهَا، وَ لَوْ أَنَّ آدَمِيّاً طَارَ كَطَيَرَانِهَا كَانَ ذَلِكَ مُعْجِزاً، فَاللهُ عَزَّ وَ جَلَّ سَهَّلَ عَلَيْكُمُ الْأَمْرَ، وَ جَعَلَهُ بِحَيْثُ تَقُومُ عَلَيْكُمْ حُجَّتُهُ، وَ أَنْتُمْ تَقْتَرِحُونَ عَمَلَ الصَّعْبِ الَّذِي لَا حُجَّةَ فِيهِ)[1].
فالنص المتقدم وقف على ادق التفاصيل التي يجب توفرها في ما يقدمه مدعي النبوة لإثبات حجته ، فلا يجوز التنزل بالخارق الى مستوى يسلبه تلك الغرابة، ولا الترقي بالإنسان ليكون هو خارقا فلا يعتد بما يراه خارقا ، وهذا يكون على نحو ان القلوب تذعن بأن ما جاء به النبي هو امر خارج عن طوق نوع الانسان.
فالقرآن الكريم يجده المتأمل خارقاً لِمَا الفه الناس من الكلام الفصيح، من حيث خصائصه اللفظيّة والمعنائيّة، والأسلوبيّة، والصوتيّة والنظميّة، وما يحويه بين جنباته من حقائق ومعارف شاملة وتامّة وكاملة، بحيث لم يعتد الناس احتواءها في كلام من دون أن يعتريه نقص أو خلل ما قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشـرى لِلْمُسْلِمِينَ}[2]، وقوله تعالى:{ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}[3].
2ـ ان المعجزة لا تكون الا للأنبياء : ذكر هذا الشـرط بعض من كتب في الإعجاز ولكن من خلال مراجعة الروايات وجد ان المعجزة غير مختصة بالأنبياء وانما تعم الحجج من المعصومين فقد روي عَنْ أَبِي بَصِيرٍ أنه قَالَ: (قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): لِأَيِّ عِلَّةٍ أَعْطَى اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْبِيَاءَهُ وَ رُسُلَهُ وَ أَعْطَاكُمُ الْـمُعْجِزَةَ ؟ فَقَالَ (عليه السلام): لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِ مَنْ أَتَى بِهِ وَالْـمُعْجِزَةُ عَلَامَةٌ للهِ لَا يُعْطِيهَا إِلَّا أَنْبِيَاءَهُ وَ رُسُلَهُ وَ حُجَجَهُ لِيُعْرَفَ بِهِ صِدْقُ الصَّادِقِ مِنْ كَذِبِ الْكَاذِبِ)[4].
فظاهر النص عدم اختصاصها بالأنبياء وهذا ظاهر من قول أَبِي بصير، إذ سأل الامام (واعطاكم)، ثم اكد الامام أن الحجج مشمولون بالمعجزة.
3ـ مطابقة المعجزة لدعوى النبوّة والرسالة: أي ان المعجزة تأتي موافقة لما يعرض، فان طُلب منه مثلا شق القمر الى نصفين لا بد ان تكون المعجزة على النحو الذي طلب فلا يكون اربعة او ثلاثة ، فالقرآن عندما جاء به النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم) كان في بنائه وتركيبه واسلوبه مطابقًا لما في الدعوى، وإنّ أي انسان عندما ينظر الى المطالب العليا في القرآن الكريم يجد من دون أدنى شكّ ولا ريب أنها تنسجم تمام الانسجام مع ما صدح به (صلى الله عليه واله وسلم) من تعاليم، وما كشف عنه من حقائق، ودعا إليه من اعتقاد وعمل، وصدر عنه من تبشير وإنذار. وقد تكلّم القرآن الكريم نفسه عن هذه المطابقة بقوله تعالى: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}[5]، {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}[6].
4ـ اقتران المعجزة زماناً مع دعوى النبوّة والرسالة: من القراءة الدقيقة لتاريخ الدعوة الاسلامية نجد من دون شكّ ولا ريب أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم) عندما أعلن عن رسالته الإلهيّة وأفصح عنها للناس وبيّن لهم نصّها ومضمونها، كانت مقرونة بالقرآن؛ لأنَّ القرآن هو عين الرسالة. وقد بيّن القرآن نفسه ذلك، إذ أمر النبيّ (صلى الله عليه واله وسلم) منذ أوّل البعثة الشـريفة بقراءة القرآن وتلاوته وتفسيره للناس: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}[7]، {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[8]، {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}[9]. فلم يسبق نزول القرآن وإظهاره للناس على ظهور دعوى الرسالة فيهم: {قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}[10]، {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْـمُبْطِلُونَ}[11]، وكذلك لم يتأخّر عنها: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً}[12].
5ـ اقتران المعجزة بالتحدّي: ذهب جماعة الى أن القرآن الكريم تحدى بكلامه الإنس والجنّ، ومن بينهم العرب الذين ابدعوا وبرعوا في لغتهم ولم يذكره التاريخ لواحدة من الأمم المتقدّمة عليهم أو المتأخّرة عنهم، وبلغوا بها مبلغا لم يبلغه غيرهم، في تمام البيان، وجزالة النظم، ووفاء اللفظ، ورعاية المقام، وسهولة المنطق[13].
وذهب بعض الباحثين المعاصرين الى عدم اشتراطه، إذ يقول: ان المعجزات على نوعين: نوع موجه الى الكفار وهذا فيه تحدي ، وآخر موجه الى المؤمنين ليس فيه تحدي[14]. وقد ورد هذا التحدّي في القرآن ضمن خمس آيات، هي بحسب ترتيب نزولها على وفق الترتيب الآتي:
– قال تعالى : {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[15].
– قال تعالى {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[16].{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشـر سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[17].
– قال تعالى {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ}[18].
– قال تعالى {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}[19].
وبالتأمّل في هذه الآيات، نلاحظ أنه لا وجه للتحدي لما قدمنا، وانما هو فقط دليل على صدق الدعوى.
اما الآيات التي يدل ظاهرها على تحدي فكانت جوابا لحال من الاحوال او الاعتراضات التي قدمها الكفار، فبعد ان عرض النبي آيات القرآن عليه بدأت اولا الحرب الناعمة بتوهين القرآن، وابتداع الاباطيل حوله منها : انه من الاساطير التي اكتتبها النبي خلال رحلاته ، أو أنه كانت تملى عليه من قبل رجل اعجمي أو من قبل الجن ، أو افتراها، فهنا جاء رد القرآن بأن يأتوا من مثله .
6ـ العجز عن الإتيان بمثلها : لقد فتح القرآن باب التحدي حتى طالت فلم يستطع احدٌ من الإنس والجنّ من الإتيان بمثله، بل نزل مستوى التحدّي إلى الإتيان بمثل حديث منه، وطال وقت الاستنهاض، فلم يجيبوه إلا بالتوعد لأهله بالقتل والتنكيل، ولم يزدهم إلا عجزا، ولم يكن منهم إلا ان يغمدوا السنتهم ويشهروا سيوفهم : {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسـرونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}[20].
7ـ إنَّ الإعجاز خاضع لقانون العلية: (فإن العلل المعنوية أيضا من العلل، ومشمولة لتلك القاعدة، كما أن العلل الطبيعية لا تنحصـر في العلل الموجودة المكشوفة، لإمكان اكتشاف علل طبيعية أخرى في الآتي، وعليه فالإعجاز معلول من المعاليل، وله علة معنوية، وهذه العلة المعنوية قد تستخدم في الإعجاز الأسباب الطبيعية، كما دعا النبي (صلى الله عليه واله وسلم) في حق معاند فسلط الله عليه سبعا فأكله، وقد يكتفي بالعلل المعنوية كإحياء الموتى أو انبات شجر مثمر في دقائق قليلة، وكيف كان، فالنظام الإعجازي يقدم على النظام الجاري بإرادته تعالى، ومشيته، فليس المعجزة بلا سبب وعلة، حتى يقال: بأنه نقض لأصل العلية ومما ذكر يظهر ما في مزعمة الماديين حول الإعجاز حيث تخيلوا أنه ينافي أصل العلية) [21].
[1] التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): 506.
[2] سورة النحل: 89.
[3] سورة النساء: 82.
[4] الصدوق: علل الشرائع 1 : 122.
[5] سورة النجم: 3-4.
[6] سورة الحاقّة: 40-47.
[7] سورة العلق: 1.
[8] سورة النحل: 44.
[9]سورة القيامة: 16-19.
[10] سورة يونس: 16.
[11] سورة العنكبوت: 48.
[12] سورة الإسـراء: 106.
[13] الطباطبائيّ: الميزان في تفسير القرآن 1: 68.
[14] الخالدي: صلاح عبد الفتاح: البيان في اعجاز القرآن, دار عمار, الاردن- عمان.
[15] سورة الإسـراء: 88.
[16] سورة يونس: 38.
[17] سورة هود: 13.
[18] سورة الطور: 33-34.
[19] سورة البقرة: 23-24.
[20] سورة هود: 5.
[21] الخرازي: محسن : بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية 1: 243.
